مولي محمد صالح المازندراني

86

شرح أصول الكافي

الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملةٌ سوداء متّزرٌ بها من صوف ، وشملةٌ مرتد بها والناس يسألونه ، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ، ثمَّ قعدت في آخر القوم على ركبتيّ ، ثمَّ قلت : أيّها العالم ؟ إنّي رجلٌ غريب تأذن لي في مسألة ! فقال : لي : نعم ، فقلت له : ألك عينٌ ؟ فقال : يا بنيَّ أي شيء هذا من السؤال وشئ تراه كيف تسأل عنه ؟ فقلت : هكذا مسألتي ، فقال : يا بنيَّ سل وإن كانت مسألتك حمقاء قلت . أجبني فيها ، قال لي : سل ، قلت : ألك أعينٌ ! قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟ قال : أرى بها الألوان والأشخاص قلت : فلك أنفٌ ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أشمّ به الرائحة ، قلت ألك فمٌ ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أذّوق به الطعم ، قلت : فلك اُذنٌ ! قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟ قال : أسمع به الصوت . قلت : ألك قلبٌ ، قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : اُميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح والحواسّ ، قلت : أوليس في هذه الجوارح غنىّ عن القلب ؟ فقال : لا ، قلت : وكيف ذلك وهي صحيحةٌ سليمةٌ ؟ قال : يا بنيَّ ! إنَّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشكّ : قال هشام : فقلت له : فإنّما أقام الله القلب لشكّ الجوارح ؟ قال : نعم ، قلت : لابدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح ؟ قال : نعم فقلت له : يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتَى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح ويتيقّن به ما شكّ فيه ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم ، لا يُقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم ويُقيم لك إماماً لجوارحك تردُّ إليه حيرتك وشكّك ؟ ! قال : فسكت ولم يقل لي شيئاً . ثمّ التفت إليَّ فقال لي : أنت هشام بن الحكم فقلت : لا ، قال : أمن جلسائه ، قلت : لا ، قال : فمن أين أنت ، قال : قلت : من أهل الكوفة قال : فأنت إذاً هو ، ثمَّ ضمّني إليه وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتّى قمت ، قال : فضحك أبو عبد الله ( عليه السلام ) وقال : يا هشام . مَن علّمك هذا ؟ قلت : شيء أخذته منك وألّفته ، فقال : هذا والله مكتوبٌ في صحف إبراهيم وموسى . * الشرح : قوله ( اُجلّك ) الجلال : العظمة ، والجليل : العظيم ، وأجلّه : عظّمه ، والمعنى إنّي اُعظّمك أن يتكلّم مثلي بين يديك . قوله : ( واستحييك ) بياء أو بيائين والحياء حالة نفسانيّة توجب انقباض الجوارح عن الأفعال خوفاً من اللّوم وغيره . قوله ( إذا أنا بحلقة ) قال في النهاية : الحلقة جماعة : من الناس مستديرين كحلقة الباب وغيره والجمع الحلق بكسر الحاء وفتح اللاّم . وقال الجوهريّ : الحَلق بفتح الحاء على غير قياس وحكي